ابن عربي

325

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

الاسم الملك هو المهيمن على الأجناد الأسمائية فإن أسماءه سبحانه وتعالى عساكره ، وهي التي يسلطها على من يشاء ويرحم بها من يشاء ، فهو تعالى « الْمَلِكِ » بنسبة ملك السماوات والأرض إليه ، فإنه رب كل شيء ومليكه « الْقُدُّوسِ » أي الطاهر ، والتقديس الذاتي يطلب التبري من تنزيه المنزهين ، فإنهم ما نزهوا حتى تخيلوا وتوهموا ، وما ثمّ متخيل ولا متوهم يتعلق به أو يجوز أن يتعلق به فينزه عنه ، بل هو القدوس لذاته ، لذلك قال « الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ » - إشارة - في التقديس ، كأنه تعالى يقول : عبدي أنا الواحد الذي لا تحيط بي الأفكار ، ولا تنتهي إليّ الأسرار ، ولا تدركني البصائر ولا الأبصار ، وأنا اللطيف الخبير ، الحكيم القدير ، أنا كما كنت ، عدمت أو وجدت ، ما طرأ حال كنت عدمته ، ولا فقدت شيئا ثم وجدته ، علمي محيط ببسيطك ، وقدرتي ظاهرة في تخطيطك ، تنزهت عن التنزيه ، فكيف عن التشبيه ؟ في العجز معرفتي على الكمال ، وهي حضرة الجلال ، ليس لي مثل معقول ، ولا دلت عليه العقول ، الألباب حائرة في كبريائي ، والأسرار مطيفون بعرش ردائي ، أنت وأنا حرف ومعنى ، بل معنى ومعنى ، أنت المثل الخفي ، المنقول اللغوي « 1 » ، وأنا الواحد الجلي ، أنت الواحد وأنا الواحد ، والواحد في الواحد بالواحد ، فإذا ضرب الفرد في الفرد ، بقي الرب وفني العبد . شرح بعض ما يوهم مما جاء مرموزا ، قوله ( أنت وأنا حرف ومعنى ) أي أن الحرف يتضمن المعنى ، وأنت لا تتضمن ربك ، فلذلك قال ( بل معنى ومعنى ) أي هو أشد بيانا ، وإن دللت عليه بحرفيتك فإنما تدل عليه من كونه موجدك فقط ، فما دللت إلا على نفسك ، أما قوله ( أنت المثل الخفي ) أي لكونك على الصورة ، وقوله ( اللغوي ) أي بأدنى ما يقع به التشبيه في مجرد اللفظ ، كقولك : عالم وعالم ، وقوله ( وأنا الواحد الجلي ) أي الذي لا يقبل التشبيه . [ سورة الجمعة ( 62 ) : آية 2 ] هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 2 )

--> ( 1 ) راجع تفسير قوله تعالى : « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ » سورة الشورى آية 11 .